القرآن هو كلام الله ﷻ أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ ليكون ذكراً وهدى للناس في كل زمان ومكان
(السورة 2:الآية 2) ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ
(185:2) شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ…
(52:7) وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُم بِكِتَـٰبٍ فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
(27:81) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ (28:81) لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ
والقرآن لا تنزيل من الله بعده وهو أساس الدين الحق. لذا يتوجب علينا فهم القرآن أحسن فهم، مسترشدين بالمفاهيم التالية: ((24:47) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ)
1- قواعد الفهم: لفهم القرآن أربع قواعد أساسية. أولها، الفهم اللغوي لمعاني الكلمات. وينبغي في هذا الصدد الأخذ في
الاعتبار ميزتين هامتين لِلُّغة العربية يعتمدهما القرآن: الدقة في التعبير مع الايجاز، وتعدد معاني الكلمة والذي يسمح للقارئ بأن يَفْهَمَ النص وفق ما بلغه في زمانه من علم ومعرفة. فمثلاً، الآية (٢٥:٧٧) أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا يعتمد فهمها على المعنى المختار، بين عدة معانِ، لكلمة “كِفاتاً”. فقد تشير هذه الآية إلى أن الأرض مَسكَن يَضُمُّ البشر، أو إلى أنها تجذب إليها بفعل قوة الجاذبية، أو إلى سرعة حركتها في الفضاء دون أن يتبعثر ما عليها. وكلها معانٍ صحيحة حسب مبلغ القارئ من العلم.
القاعدة الثانية هي أن الآيات يجب ألا تُجْتَزأ بحيث تفقد معناها، كما يجب أن تُفْهَم في سياقها وليس بمعزل عنه. فمثلاً، الآية (89:4) تشير في أولها إلى الكُفَّار ثم تقول: …فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ… فزعموا أن القرآن يأمر بقتل كل الكُفَّار. أما إذا أُخِذَت الآية كاملة وفي سياقها، فإنها تشير إلى قتل المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام وهم يضمرون الكفر ويعادون المسلمين. واسْتُثْنِي من القتل الذين لجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد سلام، أو الذين في قلوبهم لا يودون أن يقاتلوا المسلمين أو لا يريدون أن يقاتلوا قومَهم مع المسلمين. فإذا تركوا المسلمين وشأنهم وعرضوا عليهم السلام، فلا يجوز للمسلمين أن يقتلوهم.
القاعدة الثالثة هي أن فَهْم أي آية يجب أن يَتَّفِق مع فهم آيات أخرى ذات صلة، كما لا يجوز أن يَتَناقَض مع أي آيات أخرى. فمثلاً، الآيات (5:23-6) أو (29:70-30):
(وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ)–(إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)
قد فُسِّرت بأنها تُبيح الجنس مع الإماء، أي إناث العبيد، دون أي قيود. وهذا ما يتناقض مع آيات أُخرى كالآية (3:4)
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ…، فالحُكم هنا هو الزواج (أي النكاح) من “ما ملكت أيمانكم” وليس الجنس خارج إطاره. وكذلك الآية (33:24) وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ… التي تحرم الجنس إلا في إطار الزواج.
القاعدة الرابعة هي تحكيم العقل والمرتكزات الأساسية للقرآن فيما أَشْكَلَ فهمه. فالقرآن يدعوا في الكثير من الآيات إلى اعتماد الملكات العقلية التي وهبنا الله من فكر ومنطق لإدراك المقصود. فقد وردت في القرآن كلمة “يعقلون” اثنتين وعشرين مرة، وكلمة “يفقهون” ثلاث عشرة مرة. فحكم الصيام، مثلا، ورد في الآية (187:2) …وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ… ولكن كيف يُطَبَّق هذا في المناطق القريبة
من القطب الشمالي أو القطب الجنوبي حيث قد يطول النهار لأكثر من أربع وعشرين ساعة بينما لا يوجد فارق كبير بين طول النهار وطول الليل على مدار السنة في منطقة الحجاز حيث نزل القرآن؟ حكمة القرآن أنه ترك هذا الأمر لتدبير العقل البشري مهتدياً ببعض المرتكزات الأساسية في القرآن. فقد ورد في سياق الصيام في الآية (185:2) …يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ…، كما ورد في الآية (286:2) لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا….
2- العلاقة بالقرآن: إن الدين ألذي أنزله الله بالقرآن، والذي يعرف بالإسلام، هو دين الحق:
(33:9) هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ
جوهر هذا الدين هو العلاقة الشخصية المباشرة الوثيقة بين المؤمن وربه:
(186:2) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
وبما أن علاقة المؤمن بربه شخصية، كذلك يجب أن تكون علاقة المؤمن بكلام الله شخصية أيضاً. أي أن القرآن لا يجب
أن يكون للمؤمن مجرد آيات تُقرأ أو تحفظ أو تُتلى في المناسبات، بل تكون علاقة المؤمن بالقرآن شخصية تتغلغل في عميق وجدانه عندما يقرأ آياته ويَتَفَقَّه معانيها أو يستمع لِمُقْرِئ يُجَّوِدُها.
3- القرآن والعقل: الإسلام هو دين العقل كما سبق ذكره، والقرآن يزخر بعدد كبير من الآيات التي تدعوا إلى تحكيم العقل
والمَنْطِق والتَفَقُّه والتَفَكُّر والتَأَمُّل. فعندما يحاول المؤمن فهم آيات القرآن، يجب أن يعتمد في المقام الأول على عقله ومعرفته وما يستشعره بفكره ووجدانه ثم يقارن ذلك بما جاء به المفسرون القدامى والمُحْدَثين، ليتوصل إلى ما يقنعه بأنه أحسن فهم ممكن في الزمن الراهن. فيكون بذلك قد وطد علاقته الشخصية بالقرآن وتفاعل معه على أُسُس عقلانية ومعرفية. ولا يُستَحسن أبداً أن يبدأ فهم آية ما أو يقتصر على ما جاء به الآخرون، إذ يحجب ذلك المبادرة
الشخصية إلى التَفَقُّه والتَفَكُّر والتَأَمُّل، لاسيما وأن المعارف تتوسع باستمرار بتطور العلم والفكر.
4- صلاحية القرآن: القرآن هو وَحْيُ آخر الرسالات من خالق الكون ومُدَبِّرِه، فيكون بذلك صالحاً لكل زمان ومكان وحال.
ويترتب على هذه الحقيقة استنتاجات هامة. أَوَّلُها، نَفْيُ ما ذهب إليه البعض من أن فهم بعض الآيات يعتمد أساساً على معرفة “أسباب النزول”. ما يعني أن نزول هذه الآيات مرتبط بحوادث مُعَيَّنة في زمن محدد وأنه لولا هذه الأسباب لَمَا أٌنزِلَت تلك الآيات، ويتناقض هذا الفهم مع أزلية القرآن، إذ هو في لوح محفوظ من قبل أن يُنْزَلَ وحيه.
ثاني هذه الاستنتاجات، النفي القاطع لما يذهب إليه البعض من أن القرآن يحتاج إلى تحديث في بعض ما جاء فيه. وسبب مزاعم كهذه هو الفهم الخاطِئ للمعنى. فقالوا مثلاً أن لا حاجة لذكر “ما ملكت أيمانكم”، إذ الفهم السائد هو الإشارة إلى ما يملك السيد من عبيد وإماء. وهذا خطأ كما شُرِح في المقالة “إشكالات تفسير بعض آيات القرآن الكريم”.
وثالثهما، أنه يؤكد الاعتماد على القرآن لمعالجة ما يصادفنا في عصرنا، أفراداً ومجتمعات. فقد تعتري المجتمع آفات
تفتك به فيوفر القرآن السبيل الأمثل للنهوض بالمجتمع من غياهب التخلف والانحلال إلى رحاب الرقي والازدهار، كما شُرِح في المقالة “آفات المجتمع وعلاجها”.
