آفات المجتمع وعلاجها​

آفات المجتمع

لكل مجتمع ثلاثة عناصر رئيسية: الأشياء، والأشخاص، والأفكار التي تجول في خواطر الأشخاص وتتحكم بالنظرة إلى الأشخاص والأشياء وبالعلاقة بهما. فإذا كان الولاء للأشياء والسلع تسود النظرة المادية وثقافة الاستهلاك والترف واتباع الشهوات، ويصبح هدف العيش جمع المال بشتى الطرق وإنفاقه على المقتنيات والملذات ورغد العيش. ويصرف الفرد جل اهتمامه ووقته في السعي وراء المال والانغماس في الملذات والتسلية التافهة. أما إذا كان الولاء للأشخاص فيُمَجَّد أصحاب النفوذ من زعماء وقيادات ورجال دين وتسود العصبيات العائلية أو المناطقية أو المذهبية. وقد يكون الولاء لشخص الفرد ذاته فتطغى الأنانية ويتركز الاهتمام بالسعي وراء الجاه والسلطة والنفوذ وإرضاء الذات.

والأفكار لها وجهان، إذ قد تكون هدامة تضر بالفرد والمجتمع. فإذا تمكنت في المجتمع هذه الأفكار الضارة والولاءات للأشياء وللأشخاص يصاب المجتمع بآفاتٍ تُفَكِّكَه وتمنعه من النهوض والتقدم ويصبح فريسة سهلة لمن يتربص به من الخارج لبسط النفوذ واستغلال الثروات. ولتفادي هذا المصير المفجع لا بد من أن تسود في المجتمع الأفكار البناءة والتي ترتكز على العقيدة ذات القِيَم والمبادئ السامية، فيتشكل الوعي للقضايا الكبيرة والاستعداد للتضحية في سبيلها وتصح الخيارات وتتضافر الجهود للنهوض بالمجتمع على كافة الصُعُد وتُجَيَّش الإمكانات لمجابهة التحديات ويَعُمُّ العدل والإحسان.

العقيدة الشافية

إذا كانت العقيدة المطلوبة ستشفي من الآفات المذكورة وتنهض بالمجتمع من غياهب التخلف والانحطاط وتنهض به إلى رحاب الرقي المتمدن والازدهار الحضاري فلا بد أن تقوم هذه العقيدة على أسس راسخة من المعرفة والعلم والمنطق والعقلانية لكي تكون مقنعة ومرضية ومقبولة من مختلف أطياف المجتمع. فكيف تكون هذه العقيدة الشافية؟

تتطرق الفقرات التالية باختصار إلى أسُسِ هذه العقيدة وبنيتها. وتتلخص بأنها تنبع من سبب وجود الإنسان على كوكب الأرض، وغاية الحياة ومعناها، والإيمان بالله عز وجل وبالآخرة، وتتجلى بالسلوك الفاضل تجاه كل ما حولنا. ومن الأهمية بمكان التنويه بأن الأساس المعرفي والعلمي لهذه العقيدة هو القرآن الكريم، والذي يمكن اعتباره من قبل غير المسلمين كتابا قائماً بذاته يستحق الدراسة والتمعن بكل انفتاح وبلا تحامل أو انحياز.

ميزات الإنسان الحديث

استوطن كوكب الأرض منذ نشوئه، وفي فترات على مر العصور، ما يقارب سبعمائة مليون نوع حيواني (DELETE: this is a sample text by MB with latin / English text and numbers 123456 and copied/pasted text لإنسان العاقل Arabic numerals like ٠,١,٢,٣,٤,٥,٦,٧,٨,٩ )

. فإذا قارنا بين هذا(Homo sapiens) تُوِّجَت بالإنسان الحديث من نوع “الإنسان العاقل” (animal species)

الإنسان والمخلوق الأقرب إليه بيولوجياً، وهو الشِمبانزي، نجد تشابها ملفتاً، بَدَنياً وفيزيولوجياً، وتشاركاً

 بنسبة 95% على الأقل، وبما يقارب نصف عدد الخلايا العصبية في القشرة الدماغية (DNA)بالحمض النووي

والتي تتولى الوظائف العقلية العليا. (cerebral cortex) 678 والتي تتولى الوظائف

والعجيب حقا أنه بالرغم من هذا التشابه الجسدي المدهش بتقاربه نجد الفارق شاسعا بما لا يفوق الوصف بين الإنسان والشِمبانزي. فالإنسان بَنى حضاراتٍ متقدمة، وحقق إنجازاتٍ مُذهلة في الاكتشافِ العلمي، والتطويرِ الهندسي والتكنولوجي، والفكرِ الفلسفي، والإبداعِ الأدبي والفني والمِعماري، وبالقُدرةِ على الارتقاءِ بالمشاعرِ النَبيلةِ والسامية، وعلى التمييزِ بينَ الخيرِ والشر، والحقِ والباطل. أما الشِمبانزي فما يزال مخلوقا بدائيا قاطناً الغابة رغم مضي ما يزيد على ستة ملايين سنة ليتطور فيها، وهي تساوي أو تزيد على الفترة التي تطور فيها الإنسان. فلماذا هذا الفارق الشاسع في القدرات؟

تُبَيِّن دراسات تطور الإنسان أن دماغ الإنسان بدأ بالتطور منذ حوالي مليوني سنة، دون حافز معروف وبالرغم من استهلاك الدماغ الكبير للطاقة، مما استدعى تغيرات في أعضاء الجسم الكثيرة الاستهلاك للطاقة، كالعضلات والأمعاء. وتُوِّجَ تطور الدماغ والجهاز العصبي العضلي في الفترة ما بين خمسين ألف وسبعين ألف سنة خلت بقفزة

، (Paleolithic Cognitive Revolution, or great leap forward)نوعية كبرى يشار إليها بعبارات

 عميق الغور (consciousness) فأصبح الإنسان الحديث يتميز بثلاث ميزات عظيمة الأهمية هي: (1) وعي

وخيال واسع الآفاق وقدرة ذهنية مذهلة تشمل التفكير المجرد والمهارات المعرفية العالية، (2) قدرات لغوية متطورة

تمكن من التعبير عن الأفكار المتولدة ونقل المعلومات بدقة وتفصيل، (3) مهارة يدوية فائقة تُمكِّن من صنع الأدوات المفيدة، وبما لا يقل أهمية، تُيسِّر طرق الكتابة المختلفة للحفاظ على المعارف المكتسبة ونشرها ونقلها إلى الأجيال القادمة، وهذا من لزوم بناء الحضارة.

وقد أدَّت هذه الميزات إلى ابتكار أدوات متطورة لذلك الزمان كالقوس والسهم للاصطياد عن بعد، والصنارة والحربة لاصطياد الأسماك، والإبر من العاج أو العظم لخياطة الثياب، والمصباح الزيتي، ومختلف أنواع الزوارق والمراكب. وقد تمكن الإنسان الحديث خلال فترة زمنية لا تتعدى بضع عشرات آلاف سنين، وبفطنته ومهاراته وقدراته والوسائل المتوفرة لديه، من الانتشار في أصقاع الأرض ومن أن يسود على باقي المخلوقات جميعها بما فيها أنواع الإنسان الأخرى التي كانت موجودة حينذاك والتي لم تحظ بما حظي به الإنسان الحديث فانقرضت. ويبقى السؤال الكبير، كيف توفرت هذه الميزات العظيمة للإنسان الحديث ولماذا؟

لا بد، وفق العلم السائد، أن تأتي هذه الميزات بواسطة الطفرات الجينية. ولكن ما سبب هذه الطفرات؟ يزعم العلماء الماديون أن السبب هو الصدفة المحضة لا غير. إلا أن الطفرات اللازمة معقدة وشاملة لدرجة تجعل هذا التفسير سخيفا ومستبعدا لدرجة الاستحالة، مما لا يدع مفرا من الاعتراف بأن السبب هو فوقطبيعي، خارج نطاق العلم الحديث. فلا بد أن يكون السبب من فِعل الله ليكون الإنسان خليفته في الأرض، كما في الآية القرآنية: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ…” (سورة 2: آية 30) (ملاحظة جانبية: فهمي المتواضع لهذه الآية هو أن جعل الإنسان خليفة لله كان بإعطاء الإنسان الحديث الميزات ألآنفة الذكر، وذلك بدلالتين في هذه الآية، أولاهما أن الملائكة لا تعلم الغيب فقولهم أن الإنسان يفسد ويسفك الدماء يشير إلى إنسان موجود آنذاك، وثانيهما أن فعل “جعل” قد ورد في الآية وليس “خلق”. وفعل “جعل” قد يعني “صنع من شيء موجود”، والله أعلم).  ولكن هل من دلالات موضوعية لوجود الله؟

دلالات وجود الله

في الإعجاز القرآني الدلالات الجازمة والحاسمة لوجود الله. وللإعجاز وجوه يُخَص مِنها بالذكر تقليديا بعض التنبؤات وبلاغة القرآن. التنبؤات ببعض الأحداث في القرآن قابلة للتأويل والتفسير مما أثار حولها الجدل وجعلها لا تقنع إلا من يريد أن يقتنع. أما إعجاز البلاغة فيستند أساسا إلى حقيقة أن لا فردا أو جماعة تمكنت من الإتيان بسورة من مثل سور القرآن حتى الآن. إلا أن هذه الحجة ليست مقنعة من الناحية المنطقية البحتة، إذ أنها لا تنفي الحدوث مُستقبَلاً. لكن لإعجاز البلاغة وجها آخر، وهو أن دُرَر الأدب البشري لا بد وأن تخضع للتبديل والتعديل قبل أن توضع في صيغتها النهائية. أما القرآن فبلاغته قائمة حالما نطق به الرسول محمد، دون إمكان أي تبديل أو تعديل، وحافظت هذه البلاغة على إعجازها طوال 23 عاما هي فترة نزول الوحي. وفي هذا إعجاز مذهل في حد ذاته.

هناك وجهان للإعجاز القرآني الجازم والحاسم وهما الإعجاز العلمي والإعجاز العددي. الإعجاز العلمي هو في ذكر القرآن لتراكيب وظواهر طبيعية، صراحة أو إيحاءً، قبل ما يقارب ألف عام أو يزيد من مشاهدتها أو تفسيرها علميا. فمما ذُكر صراحة: الأمواج التحتية في المحيطات (40:24)، والإعصار الذي في داخله نار (266:2)،

 (37:55)، وصفائح الأرض التكتونية  (rose-like planetary nebula)والسديم الكوكبي الشبيه بالوردة

(4:13)، وتوسع الكون المستمر (47:51)، وبناء أنثى العنكبوت، دون الذَكَر، لبيوت العناكب  (tectonic plates)

(41:29)، وطريقة تشكيل حجارة أهرامات الفراعنة (38:28).

 (1:86-3)، والثقوب السوداء (15:81و16)، ومَقْصِد الشمس (pulsar)ومما ذكر إيحاءً: النجم النَبَّاض

 (7:51)، وإعادة تدوير القشرة الأرضية (41:13) و (44:21)، (cosmic web) (38:36)، والشبكة الكونية

وحركة الأرض (88:27) و (5:39)، وجذور الجبال (7:78)، والجبال تحت سطح البحر (الرواسي) وأنظمتها البيئية البهيجة والمتنوعة (19:15) و (7:50)، ودور هذه الجبال في إخماد الزلازل (15:16) و (31:21) و

 تحت سطح البحر (6:52)، والمادة (hydrothermal vents) (10:31)، والبراكين والمَنافِس الحَرْمائية

 (49:51)، وكيفية تَوَلُد الحليب عند الثدييات (66:16)، وغيرها.(matter and antimatter) ومُضادُّها

وقمة الإعجاز القرآني في رأي البعض هو الإعجاز العددي، والذي يتميز بخصائص في غاية الأهمية:

1– لا يعتمد هذا الإعجاز على أي تأويلات لغوية أو فلسفية إذ يظهر بمجرد تعداد السور والآيات والكلمات والحروف وإجراء عمليات حسابية بسيطة كالجمع والقِسمة وصف الأرقام.

2– يكشف عن منظومات عددية مدهشة بشكل صاعق، بعضها مبني على الرقم سبعة، وهو أول رقم ذكر في القرآن (29:2)، وبعضها مبني على الرقم تسعة عشر، ويعتقد أنه أول رقم أنزل على الرسول محمد (30:74)، وبعضها الآخر مبني على السياق أو غيره.

3– اكتُشِف الإعجاز العددي بمفهومه الحديث في ثمانينات القرن الماضي، بعد أن أُخْضِع النص القرآني لبرامج البحث بالحاسوب، إلا أنه توسع كثيرا واكتسب زخما قويا منذ العقد الثاني من هذا القرن وما زالت اكتشافاته تتوالى، فهو بذلك معجزة ليست كغيرها من المعجزات إذ هي تتجدد على الدوام.

4– إن ما اكتشف من الإعجاز العددي حتى الآن يتعدى مئات الأمثلة والتي هي بعديدها وتنوعها وتعقيد بعضها لا يمكن أن تكون كلها مجرد صُدف أو بشرية المصدر.

لا يتسع المجال هنا للخوض في غمار الإعجاز العلمي والعددي، وقد ذُكِرت بعض الأمثلة (بالإنكليزية) في الكتاب

. كما أن الرابط Supplements – Spirituality Rekindled وعبر الرابط Spirituality Rekindled

 يَذكر بعض المراجع الإضافية عن الإعجاز القرآني.Bibliography – Spirituality Rekindled

وقد ظهر أيضا نوع آخر من الإعجاز القرآني وهو اتساق الألحان في النص القرآني. ولذلك قصة طريفة ذكرت

.The Melody of the Quran – Spirituality Rekindledعبر الرابط

وخلاصة القول أن الإعجاز القرآني، لا سيما الإعجاز العددي والعلمي، لا يدع مجالا لأدنى شك بأن القرآن لا يمكن أن يصدر عن بشر، فلا بد أن يكون مصدره فوقَبشري بالدليل الدامغ والمفحم والذي لا يٌدحَض بأي حجج منطقية وعقلانية. وقد يقول قائل لا يؤمن بوجود الله، ولكن يُسَّلِم بمصدر القرآن الفوقَبشري، أن هذا المصدر قد يكون جهة لا نعرفها من الكائنات الفضائية مثلا. إلا أن هذا الافتراء يسهل دحضه. فالله يؤكد في القرآن أنه هو من أنزله. وقد مضى على هذا الإنزال أكثر من أربعة عشر قرنا دون أن تتبناه أي جهة أخرى. فلا بد إذن أن يكون الله هو من أنزل القرآن، مما يعني أن الله موجود يقيناً ودون أدنى شك.

وبما أن القرآن تنزيل من الله فهو المرجع المكين للبت الحاسم في كل ما يعود للحياة والإنسان.

حال الإنسان

لا شك أن سؤالا أساسيا هو: لماذا خُلق الإنسان وما معنى الحياة؟ يأتي الجواب بمنتهى الوضوح في قوله تعالى:

إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ õوَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَٰحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ

لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ” (118:11و119). فالله خلق الإنسان لينال رحمته فيدخل الجنة، ومن لا ينال رحمته فله النار كما تشير الآية الثانية. ولو شاء الله لجعل الناس سواسية، كما تشير الآية الأولى، كأن يكونوا جميعا مؤمنين وعلى أتم وفاق. ولكن الله، بمشيئته وحكمته، خلق الإنسان بنفس واعية لها أن تكون تقية تنشد

فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا” (7:91و8).õرحمته أو فاجرة تتيه في غياهب الضلال: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا

 ماõفما هو السبيل إلى نَيْل رحمة الله ؟ يجيب على هذا السؤال قوله تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ

أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ” (56:51و57). كلمة “يعبدونِ” في الآية الأولى لا تعني العبادة بمعناها الضيق، أي التأليه بأداء الشعائر الدينية، بل تعني خدمة الله كعبيد له بدليل أن الآية الثانية تشير إلى خدمات يقدمها العبد كالإتيان بالرزق والإطعام. فكيف يخدم الإنسان الله ؟ يخدم العبد سيده بتنفيذ رغباته والعمل لكسب رضاه، وكذلك الإنسان يخدم الله بطاعته والسعي لنيل رحمته. السعي في سبيل الله هو من الجهاد في سبيله والذي يشمل تزكية النفس والسلوك الفاضل تجاه كل ما حولنا وإحقاق العدل والإحسان ومناهضة الظلم والطغيان.

الله وهب الإنسان ميزاته الخاصة ليكون خليفته في الأرض (“وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ…” (165:6))، والخليفة هو من يقوم مقام الذي خَلَّفَه، ما يعني أن الإنسان يجب أن يتحلى بما يمكن أن يتحلى به بشر من صفات الله، والذي أهم صفاته هي الرحمة، إذ “الرحمن” و “الرحيم” هي من أسماء الله الحسنى التي ترد مباشرة بعد اسم الله في أول آيات القرآن (“بسم الله الرحمن الرحيم”). صيغة “الرحمن” هي صيغة مبالغة في الشدة والسعة (“…وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ…”(156:7)) بينما صيغة “الرحيم” هي في تجدد الرحمة واستمرارها الدائم. والرحمة تعني الشفقة والرأفة والإنعام والإحسان والحنان والمحبة والعفو والصفح.

فعلى الإنسان أن يكون رحيما بكل ما حوله من أشخاص ومخلوقات وبيئة لينال رحمة ربه، كما في الحديث الشريف: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”. وهذا يطرح سؤالين

 أساسيين من الناحية العملية والتطبيقية: كيف السبيل إلى أن يتصف الإنسان بالرحمة؟ وكيف تتجلى هذه الصفة في سلوك الإنسان؟

 

فلاح الإنسان

نيل رحمة الله هو النصر العظيم وغاية الفلاح في هذه الحياة الدنيا. السبيل إلى الفلاح هو في قوله تعالى: “وَنَفْسٍ

وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا” (7:91-10).يُزَكِّي لها معنيانõقَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَاõفَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَاõوما سَوَّىٰهَا

أساسيان: يُطَهِّر أو يُزيد ويُنَمِّي. وكلا المعنيين يُفضيان إلى تنمية الذات وتطويرها والارتقاء بها في سلم الأنسنة إلى أسمى الدرجات وفي كافة الأوجه، الروحي والنفسي والأخلاقي والفكري. وهي الفائدة التي يجنيها الفرد من خدمة

الله في الحياة الدنيا، وهو ما يعطي لهذه الحياة معنى ويؤسس للعقيدة الشافية المرجوة والتي تتجلى عمليا بالسلوك الفاضل، كما سيُفَصَّل لاحقا.

النسق الفكري للعقيدة الشافية

يتشكل النسق الفكري للعقيدة الشافية من المراحل التالية:

1– القناعات الأساسية. القاعدة الرئيسة التي ترتكز عليها العقيدة الشافية هي الإيمان الراسخ بالله وبالسعي إلى نيل رحمته، وفق أقواله في القرآن ، والذي يؤدي إلى أعلى درجات تزكية النفس في هذه الحياة الدنيا وإلى النعيم الأبدي في الحياة الآخرة.

ولا بد للإيمان بالله، وللشعور العميق بالقرب منه، من تصور مناسب للتفكير به. لا يمكن للعقل البشري أن يدرك ماهية الله، إذ “لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ…” (11:42) فلا يمكننا التفكير إذن سوى بتجلياته وصفاته. ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ…” (35:24). …الَذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ (50:20)، “هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِئُ ٱلْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ” (24:59). هو خالق الكون بكل ما فيه، وهاديه بقوانين الطبيعة التي وضعها له، وتُسَبِّح له كل المخلوقات، كائنات حية وجمادا، بالتَقَيُّد بهذه القوانين.

وصفاته هي الكمال في كل وجوهه، بما فيها الأسماء الحسنى والتي سبق ذكر بعضها، فهو الرحمن ،الرحيم، الحكيم، العَدْل، القائم بالقسط، التَوَّاب، الغفور ،الغَفَّار، السميع، المجيب. وكذلك هو العليم بكل شيء، ما كان وما سيكون وبخفايا النفوس وحتى بما نقرره بملئ اختيارنا وفق حرية الإرادة التي منحها لنا الله (كما يستنج من الآيات 1-3 من سورة المسد (111))، هو مالك الكون كله (“لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ (6:20))، وهو العزيز الجبار القادر على كل شيء (“إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ” (82:36)).

2– المشاعر المتولدة. إن من يتأمل بعمق في تجليات الله وصفاته وفي عظمته وجلاله، وهو ما يفوق كل وصف أو خيال، ويتفكر في ما يذكره القرآن العظيم عن نِعَم الجنة وعذاب جهنم، وكانت له بصيرة يستنير بها، لا بد وأن يشعر بمنتهى الخشوع أمام الله عز وجل، وأن تتولد فيه الرغبة الجامحة للخضوع لإرادة الله تبارك وتعالى ولمشيئته.

الحياة الدنيا ابتلاء من الله كما في قوله تعالى: “ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ

نُسَارِعُ لَهُمْ فِىõٱلْغَفُورُ” (2:67). والابتلاء يكون بالشدائد وبالنِعَم (“أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ

ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ(55:23و56)). فمن السخف والبلاهة بمكان ألّا يدرك الإنسان أنه خاضع لمشيئة الله لا محالة، كسائر مكونات الكون، سواء اعترف بهذا أم لم يعترف، ومهما استكبر وتجبر وأصابه الغرور بما نال واكتسب. الحصافة كل الحصافة هي في إدراك هذه الحقيقة والخضوع لإرادة الله ومشيئته.

3– ذكر الله. الإيمان بالله وبالآخرة والمشاعر المتولدة عن هذا الايمان تُفضي للتوق إلى التقرب من الله وللسعي إلى نيل رضاه ورحمته. ويعطي القرآن المفتاح لهذا في قوله تعالى: “ إنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ

وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا õوَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ” (45:29)، يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا

(41:33و42) “فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ…” (103:4). فَذِكْر الله ذو أهمية قصوى، كما يتضح من هذه الآيات وغيرها.

وذكر الله له عدة أوجه، منها التسبيح له لعظمته وجلاله وإبداعه في خلق الكون وما فيه ولهدايته وتسييره بقوانين الطبيعة التي وضعها بمشيئته وإرادته وقضائه وقدره، ومنها الحمد له والشكر لما أنعم به علينا من نفس واعية ذات إرادة حرة وقدرات ذهنية فائقة في التفكير والإبداع والمشاعر الجمالية والسامية والنبيلة وما يكون قد حبانا به من صحة وعافية ورغد عيش وما فتح لنا من أبواب النعيم الأبدي، ومنها الدعاء والتضرع إليه ليغفر لنا ويعفو عنا ويتلطف بنا ولا يُحَمِّلنا ما لا طاقة لنا به ويَنْشُر لنا من رحمته ويهدينا إلى السبيل القويم والصراط المستقيم، ومنها ما هو روحي صوفي يعتمد الترداد الصامت لاسمه منفردا أو لعبارات تدور حوله كمثل “الله أكبر” أو “لا إله إلا الله” أو “لا حول ولا قوة إلا بالله” وغيرها.

ذكر الله يجب أن يكون حاضرا دائما في الذهن والوجدان، في الوعي أو ما دون الوعي، وهو ما يسهل تحقيقه بالتَمرين والمُثابرة، فيكون الله هو المرشد والملاذ والسلوى في جميع الأوقات والأحوال.

4– المفاهيم المُوَجِّهَة. تترتب عن المراحل المذكورة مفاهيم تُوَجِّه النظرة إلى أمور الحياة وأحوالها، منها التوكل على الله والتسليم بمشيئته وحُكْمِه. والتَوَكُّل لا يعني الإتِّكال، بل يعني بذل كل جهد ممكن في حسن التصرف في أمر ما وترك النتائج لمشيئة الله وحكمه، ثم التسليم الكامل بذلك. وإن لم تكن النتائج مرضية لنا فلا مجال أبدا للاعتراض بأي شكل من الأشكال على حكم الله، فالمؤمن الصادق يقتنع قطعا بعدل الله وبحكمته ودرايته لما فيه الخير وإن غابت عنا خفايا الأمور وأبعادها ومراميها.

ومن المفاهيم المترتبة النظرة إلى الأمور الدنيوية وإلى مقياس النجاح في هذه الحياة، وذلك في إطار هدف الحياة

ومعناها كما سبق شرحه والذي بموجبه يكون القصد والمعيار لكل الأمور ما يُقَرِّب من الله ومن نيل رضاه

ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى õورحمته وما يؤدي إلى الارتقاء في سلم الأنسنة (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا

ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(103:18و104)). وهذا لا يعني أبدا إغفال الواجبات والمتوجبات العائلية والاجتماعية والمهنية بل يجب إيلاؤها كل ما تستحقه من جهد ومثابرة، كما لا يعني الزهد في نِعَم الحياة ومباهجها ومنافعها، طالما أن متابعة كل هذه الأمور تكون في حدود المسموح به قانونيا وأخلاقيا بلا إسراف ودون جعلها غاية بذاتها بل وسيلة لتحقيق هدف الحياة ومعناها. ولا يغربن عن البال أن كل ما يأتي من ثروة ومقتنيات وجاه وسلطة وصحة وحسن حال زائل لا محالة، إن لم في الحياة ففي الممات، وكما في قول ابن عربي، “كل ما لا يدوم لا يُعَوَّل عليه”.

5– السلوك الفاضل. وتظل كل هذه الأفكار والمفاهيم بلا قيمة حقيقية تُذْكَر إن لم تَتَبَدَّ في الأفعال والممارسات اليومية. ويُشدد القرآن أيما تشديد على العمل الحسن، أو الإحسان، والذي هو وجه من أوجه السلوك الفاضل، كما في قوله تعالى: “ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا…” (الآية (2:67) التي سبق ذكرها)، “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(7:18)، “…إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا” (30:18)، “وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ…” (36:4) .وهذا يشمل عمليا كل من حولنا وكل من نصادفه في حياتنا اليومية علما بأن “ما ملكت أيمانكم” بمفهومها الواسع تعني في هذا السياق كل ما يكون في عهدتنا بما ذلك الحيوانات الأليفة. ومن الإحسان بمكان الصدقة والأعمال الخيرية: ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ…” (274:2)، “…وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ…” (177:2).

وللسلوك الفاضل مظاهر وصفات حميدة منبعها الرحمة بكل ما حولنا، كما سبق ذكره. فمن هذه الصفات العدل والذي جعله الله بمنزلة الإحسان وأقرنه بالتقوى: “إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ…” (90:16)، يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ…” (8:5)، والعدل يعني الإنصاف والاستقامة والعفة والنزاهة وإحقاق الحق وإزهاق الباطل والعزوف عن الظلم بجميع أشكاله وعن الإجحاف والتحامل والتمييز والتَحَيُّز، كما يعني الاعتدال والتقويم. ومن الصفات الحميدة التي يأمر بها القرآن التسامح والعفو (“ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ” (134:3). ويأمر الله في آيات عديدة بالمعروف وينهى عن المنكر والبغي والاضطهاد والفساد والغرور والتكبر. والمعروف هو الفِعل المتعارف عليه في بيئة ما في الزمان الحاضر والذي يُعرف حُسْنُه بالعقل الراجح والفكر السوي والفطرة السليمة، والمنكر هو عكس ذلك، وهذا ما يعطي الملكات العقلية الإنسانية والظروف السائدة دورا هاما في تحديد السلوك الفاضل. والبغي هو الجور والتعسف والاستبداد والطغيان والأذى. كما يذخر القرآن بالكثير من آداب السلوك اليومي والتي لا يتسع المجال هنا للخوض فيها.

وغني عن البيان أن من صلب السلوك الفاضل النابع من المشاعر والمفاهيم التي سبق ذكرها، وما تمليه العزة والكرامة والنخوة، التضحية بالغالي والنفيس في سبيل الله لمحاربة الشر بكل أشكاله، من ظلم واضطهاد واستغلال وفساد، سواء كان مصدر الشر أفرادا أو جماعات أو دول.

الخلاصة

إصلاح المجتمعات هو في إصلاح الأفراد وإصلاح الأفراد هو في العقيدة التي تترسخ في النفوس وتهدي إلى السبيل القويم والسلوك الفاضل، وخير العقيدة ما بُنِيَ على الإيمان بالله وبالآخرة وبالقرآن الذي أنزله خالق الكون هدى للعالمين والذي يُبَيِّن لنا غاية الوجود الإنساني ومعنى الحياة الدنيا. وسيجد المسلمون في هذه العقيدة جوهر الإسلام، علما بأن السواد الأعظم من المسلمين يقتصر إسلامهم على الهوية أو على الممارسة الرتيبة للشعائر الدينية دون فهم معانيها ومراميها. أما غير المسلمين الذين يؤمنون بالله فيمكنهم اعتناق هذه العقيدة دون التخلي عن ديانتهم. وأما غير المؤمنين فعسى أن يهتدوا إذ يواجهون هذه العقيدة ويتعرفون على أسسها وبنيتها وأهدافها.