الموضوع القسم
صلب السيد المسيح وموته وعودته 1
عملية خلق الإنسان 2
الأصغر من الذرة 3
تعليم آدم الأسماء 4
طاعة الرسول وأولي الأمر 5
ما ملكت أيمانكم 6
1- صلب السيد المسيح وموته وعودته
(157:4) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لفي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا. (158:4) بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
فَهِم كثير من المفسرين أن السيد المسيح، وِفق هذه الآيات الكريمة، لم “يُصْلَب”، أي لم يُعَلَّق على الصليب، وبما أن “صَلب” السيد المسيح ثابت تاريخياً، فَسَّروا “شُبِّهَ لهم” بأن الله ﷻ رفعه إليه جسديا واستبدله بشبيه له ليُصْلَب مكانه. وهذا ما لا يستقيم لغوياً ولا يتماشى مع بعض الآيات الكريمة الأُخرى، كما سيُبَيَّن لاحقاً.
ولفهم المعنى المقصود يجب التدقيق في العبارات كما فعل بعض المفسرين ومنهم المرجع:
Maulana Muhammad Ali (1951) The Holy Qur’an, Arabic Text, Translation and Commentary, 4th edn, Lahore (Pakistan) , Ahmadittah Anjuman Isha’at Islam
(1) إن عبارة “وما صلبوه” تعني “لم يَمُت على الصليب” ولا تعني “لم يُعَلَّق على الصليب”. حتى في اللغة الدارجة، “شُنِق” تعني
“مات شنقا”، فإذا عُلِّق في الهواء وانقطع به الحبل مثلا لا يقال إنه “شُنِق”. وكذلك تُفهم “انتحر”.
(2) إن عبارة “شُبِّه لهم” لها معنيان: الأول، “جُعِل لهم شبيه لشخص ما”، والثاني، “الْتَبَسَ عليهم الأمر فبدا على غير حقيقته”.
المعنى الأول لا يستقيم لغوياً مع التفسير بأن “شبيهاً للسيد المسيح قد جُعِل لهم”. فالضمير المتصل في الفعلين “قتلوه” و “صلبوه” يشير إلى السيد المسيح، ما يعني أن الضمير المستتر في “شُبِّهَ” يعود أيضا للسيد المسيح، فيكون المعنى أن السيد المسيح شُبِّهَ بشخص آخر وليس أن شخصا آخر شُبِّهَ بالسيد المسيح. فلا بد إذن من اعتماد المعنى الثاني وهو أنهم ظنوا بأن السيد المسيح مات على الصليب ولكنه في الحقيقة لم يمت.
(3) فسرت عبارة: “رفعه الله إليه” على أن السيد المسيح “حُمِلَ جسديا إلى الأعلى”. ولكن “رَفَعَ” في القرآن تعني في عدة آيات
الإكرام والإعلاء في المنزلة، كما في: (4:94) “وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ”، و (32:43) “…وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ…”، وكما
جاء في ذكر النبي إدريس: (57:19) “وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا”، دون ذكر أي سبب ليرفع الله إدريس إليه جسديا. ثم إن الله موجود في كل مكان فلا يجوز قصر وجوده في ”الأعلى” كما فُسرت عبارة “رفعه الله إليه”، بل المقصود “قَرَّبَه إليه منزلة”، إذ ترتفع منزلة العبد بقربه من الله.
يورد المرجع الآنف الذكر أربعة عشر دليلا من الانجيل والرواية التاريخية على أن السيد المسيح والرجلين الذين صلبا معه كانوا أحياء عندما أُنزلوا من الصليب بعد أن عُلِّقوا عليه لعدة ساعات. وحسب الانجيل، استلم يوسف جثمان السيد المسيح، وهو ثري من أنصاره في الخفاء، ووضعه في قبر منحوت في الصخر ثم أغلق مدخل القبر بحجر (مرقس 46:15) وكان ذلك يوم جمعة. وعند تَفَقُّد القبر في الصباح الباكر من يوم الأحد، بعد يوم الراحة (السبت)، كان حجر القبر مُزاحا ولم يكن جثمان السيد المسيح في القبر (مرقس 1:16-6). وتفيد الرواية المسيحية السائدة أن السيد المسيح بُعِث حيا ثم ظهر لحوارييه وبعض مريديه وصعد بعدئذ إلى السماء. وتجدر الملاحظة أن البعث من الموت عمل خارق كان يمكن أن يتبعه عمل خارق آخر هو خروج السيد المسيح من القبر دون الحاجة إلى إزاحة الحجر.
ولا بد من التنويه بأن سردية قيامة السيد المسيح في الأناجيل الأربعة ليست ممن عاشوا الحدث وشاهدوا القيامة والصعود إلى السماء بل تستند إلى ما تداوله الرواة بعد خمسين سنة على الأقل بعد الحدث، مما جعلها تختلف فيما بينها، حتى أن بعض المسيحيين قالوا بأن القيامة كانت روحية وليست جسدية (https://en.wikipedia.org/wiki/Empty_tomb). ويبدوا أن حقيقة ما حدث هو أن السيد المسيح أُخرج من القبر في وقت ما بعد إدخاله إليه وعولج فَشُفي من جراحه وظهر للبعض متخفيا ثم توارى عن الأنظار وأدركه الموت لاحقاً كسائر البشر.
ذُكرت وفاة السيد المسيح في آيتين في القرآن: (55:3) إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ…، وعلى لسان السيد المسيح: (117:5) …وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ…. وفسر البعض “التَوَفِّي” في هاتين الآيتين بأنه ليس الموت بل النوم، كما في الآيتين: (60:6) وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ… و (42:39) ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا…. يلاحظ أن التَوَفي في هاتين الآيتين هو بمعنى النوم إذ جاء مقرونا “بِٱلَّيْلِ” في الآية الأولى و ” فِى مَنَامِهَا” في الآية الثانية. إلا أن فعل التَوَفِّي ورد في القرآن بمعنى الموت، دون أي التباس، في إحدى وعشرين آية، غير هذه الآيات الأربع، بلا أي قرينة تعود إلى النوم. وبما أن هكذا قرينة لم ترد في الآيتين المذكورتين العائدتين للسيد المسيح، فلا بد إذن من الاستنتاج أن هاتين الآيتين تشيران إلى موت السيد المسيح.
غير أن بعض المفسرين رأى أن موت السيد المسيح المشار إليه هو موته بعد عودته إلى الأرض في آخر الزمان. إلا أن الآية (144:3) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ… تفيد بأن جميع الرسل قبل محمد، بما فيهم السيد المسيح، قد “خَلَت”. والمعنى المقصود أنهم قد ماتوا، بدليل أن الفعل ذاته ورد في الآية (75:5) مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ…. فإذا كان من المُسَلَّم به أن جميع الرسل قبل السيد المسيح قد ماتوا فإن الآية (144:3) تفيد بأن السيد المسيح قد مات قبل محمد وليس بعده، ما يدحض الاعتقاد السائد عند كثير من المسلمين بأن موت السيد المسيح المشار إليه هو موته بعد بعثه في آخر الزمان “ونزوله” من السماء حيث ما زال حيا. وإذا سلمنا بأن السيد المسيح مات قبل محمد فلا يمكن أن يعود إلى الأرض ثانية قبل قيام الساعة بدليل الآية (100:23) …وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ وغيرها والتي تفيد بأن من يموت لا يعود إلى الأرض.
ليس في القرآن أي إشارة صريحة إلى عودة السيد المسيح، بل هناك آيتان فُسِرتا بهذا المعنى. الأولى (61:43) وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ…، فرأى بعض المفسرين أن الهاء في “وإنه” تشير إلى السيد المسيح، ما يعني أنه سيعود وتكون عودته من علامات الساعة. بينما رأى آخرون أن الهاء تشير إلى القرآن الكريم. والثانية (159:4) وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا. وبما أن السيد المسيح لم يُصلب، حسب كثير من المفسرين بل هو حي عند ربه، فلا بد أن الإشارة إلى موته في هذه الآية تعني أنه سيعود فيؤمن به أهل الكتاب ثم يموت كسائر البشر. إلا أن هذه الآية تأتي بعد الآيتين المذكورتين في بداية هذا الشرح والعائدتين إلى قتل السيد المسيح، وتفسيرها في المرجع المذكور هو أن كل يهودي ومسيحي يؤمن بدينه لا بد وأن يؤمن قبل موته هو أن السيد المسيح مات صلباً. فالموت صلباً هو عند اليهود لعنة من الله، ومن لعنه الله ليس برسول لليهود. أما عند المسيحيين فلعنة الموت صلباً هي افتداء، من قِبَل الله أو ابنه حسب زعمهم، للبشرية من لعنة خطاياها.
تستند عودة السيد المسيح عند جمهور المسلمين إلى الحديث الشريف مثل:”وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ (صحيح البخاري 2222). إلا أن الآية (117:5) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ تفيد بأن السيد المسيح يقول لربه يوم القيامة أنَّه أَمَرَ الناس أنْ يعبدوا الله، وبأنَّه كان عليهم شهيدًا (أي حاضرا بالسمع والبصر) خلال فترة إقامته بينهم. أما وقد مات، فلا علم له بما حصل بعده من تأليه له. فإذا كان السيد المسيح سيعود إلى الأرض تكون إجابته غير صحيحة، إذ إنَّه سيعلم ما الذي حدث بعده، وسيكون عليهم شهيداً. وقد ردد الرسول الكلام ذاته عن نفسه بأنه ليس شهيدا على الناس بعد موته (صحيح البخاري 3447).
وتجدر الملاحظة أن صلب السيد المسيح وعودته في آخر الزمان هما ركنان أساسيان في العقيدة المسيحية السائدة. وقد استغلهما مبشرون ودعاة للمسيحية لإعلاء شأنها والتقليل من شأن الإسلام. فزعموا أن رسول الإسلام ميت في التراب بينما يسوع المسيح حيُّ عند ربه في السماء. وزعموا أن الرب سَيَبعث يسوع المسيح في آخر الزمان ليهدي البشر وليس رسول الإسلام. فكيف يستقيم هذا مع الآية (19:3) إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ…؟
2- عملية خلق الإنسان
(5:86) فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ (6:86) خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ (7:86) يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ
يتخذ المشككون من هذه الآيات الكريمة ذريعة للطعن في الإعجاز العلمي في القرآن إذ يقولون إن السائل المنوي، والذي يُخلَق منه الإنسان، لا يَتَشكل أو يُخزن في الحيز الواقع بين الصُلب، وهو الجزء من الظهر الذي يحوي الفقرات العظمية وبالأخص القسم الأسفل منه، والترائب، وهي عظام الصدر عموما أو القسم الأعلى أو الأسفل منها. والمعروف أن الحيوانات المنوية تُنتَج في الخصيتين ويتشكل السائل الحامل لها في غدة البروستاتا وفي أجزاء أُخرى من المجرى البولي، ولا تقع هذه الأجزاء ما بين الصلب والترائب. وبناء على ذلك زعموا أن في هذه الآيات خطأً علمياً.
ودافع البعض عن صِحة هذه الآيات علمياً بالتنبيه إلى أن الأعضاء العائدة للسائل المنوي تتشكل بين الصلب والترائب في المراحل الأولى من نمو الجنين ثم تهبط إلى أسفل البطن في مراحل لاحقة. إلا أن هذه الحجة لا تبدوا مقنعة، إذ لا تشير هذه الآيات إلى مراحل نمو الجنين.
يستقيم المعنى إذا لاحظنا التالي: (1) الآيات المذكورة لا تتناول موضع تشكل السائل المنوي أو خزنه بل تتحدث عن عملية خلق الإنسان، (2) “دافق” تعني “خارج بشدة” وهي كلمة ركيزة في فهم المعنى المقصود، (3) غَلَبَ استخدام كلمة “الترائب” في الشِعر القديم في الإشارة إلى جسد المرأة. فالمقصود إذاً أن عملية خلق الإنسان تتمثل في خروج السائل المنوي بشدة في موضع ما بين صلب الرجل وصدر المرأة، وهذا صحيح لا التباس فيه.
وقد جاء في تفسير هذه الآية في كتاب “التفسير المُيَّسَر” أن الإنسان “خُلق من منيّ مُنصَبٍّ بسرعة في الرحم، يخرج من بين صلب الرجل وصدر المرأة”.
3- الأصغر من الذرة
(61:10) ...وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ.
يَستَدِل غلاة الإعجاز العلمي في القرآن بهذه الآية الكريمة، وكذلك بالآية (3:34)، على أنها إشارة إلى الجسيمات التي تتكون منها الذَرَّة والتي لم تكتشف إلا في العصر الحديث. والحقيقة أن “ذَرَّة” في زمن القرآن الكريم كانت تعني “النملة الصغيرة” واستعملت للدلالة على صغر الحجم. ولما اكتُشِفَ في العصر الحديث أصغر مكون لعنصر ما، والذي يحتفظ بخصائص هذا العنصر، سُمِّيَ بالإنكليزية (atom) وهي كلمة تعني أَصلا بالإنكليزية شيئا أو كمية في منتهى الصِغَر، فترجمت الى العربية “ذَرَّة”. ولكن “ذَرَّة” في زمن القرآن الكريم لم تكن تعني “ذَرَّة” بمفهومها العلمي الحديث. وقد يقول قائل إن الله ألهَمَ المترجمين إلى هذه الكلمة لتكون مثالاً آخر على الإعجاز العلمي في القرآن، وهذا احتمال لا يُنكَر، إذ أن الله على كل شيء قدير.
وتجدر الملاحظة أن في القرآن ما هو أعظم إعجازاً في الإشارة إلى مكونات المادة، إذ جاء في الآية: (49:51) وَمِن كُلِّ شيء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وكلمة “شيء” تشمل الجماد والكائنات الحية. إلا أن بعض هذه الكائنات، كالجراثيم ومعظم الأشجار، مثلا، ليس لها زوجان من ذكر وأنثى، فما بالك بالجماد كالماء والدخان والجبال؟ فما تعني هذه الآية إذن؟
يستقيم المعنى إذا لَاحظنا أن “زوجين من كل شيء”، إن كانت تعني كل الأشياء فهي تعني حكماً مكونات هذه الأشياء، فعندما يكون ازدواجٌ في مكونات شيء ما، يكون لهذا الشيء زوج آخر. وهذا ما اكتشفه العلم الحديث على صعيد مضادّ المادة (antimatter). فقد تنبأ عالم الفيزياء (Paul Dirac) في عشرينات وأوائل ثلاثينات القرن العشرين بوجود جُسَيمٍ مطابق تماما للإلكترون سوى أن شحنته موجبة بدل أن تكون سالبة. واكتُشِف مضادّ الإلكترون هذا فعلاً بعد ذلك بقليل وسمي بوزيترون (positron)، وهو شائع الاستخدام في الوقت الحاضر، كما في التصوير التشخيصي الطبي (PET, or, positron emission tomography).
وتوالى بعد ذلك اكتشاف مضادّات جُسَيمات أُخرى. أُنتِجَ مضاد البروتون عام 1955 بِرَشْقِ النحاس ببروتونات عالية الطاقة، ثم اكتُشِفَ هذا البروتون المضاد في الطبيعة في حزام فان آلن الإشعاعي (Van Allen radiation belt) الذي يَلُفّ الأرض. وأُنتِجَ مضادّ النيوترون عام 1956 بواسطة التصادمات بين البروتونات ومضادّاتها. ويُشار إلى كل مضاداّت الجُسَيمات بمضادّ المادة لأنه عندما يصطدم جُسَيم بمضادّه يُبيد أحدهما الآخر ويتحولان إلى طاقة محضة.
وبما أن ذرات جميع العناصر تتألف من الكترونات وبروتونات ونيوترونات (ما عدا ذرة الهيدروجين العادي إذ لا تحوي أي نيوترون)، فمن الممكن نظريا إيجاد مضادّ لكل ما في الكون من جماد وكائنات حية. وفي خطوة في هذا الاتجاه تمكن العلماء عام 2023، وبعد جهود مضنية، من إنتاج غاز هيدروجين مضادّ، والمعروف أن غاز الهيدروجين هو مكون أساسي للمَجَرَّات وما تحويه من نجوم وكواكب. فقد توجد المادة المضادّة في أجزاء من الكون الذي نحن فيه، وقد تكون أكوان أُخرى كلها من مضادّ المادة، والله أَعلم.
4- تعليم آدم الأسماء
(31:2) “وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا…”
يقول بعض المفسرين إن “الأسماء” تشير إلى أسماء جميع الأشياء أو أسماء الأشياء المتداولة في الأحاديث بين الناس أو أسماء ذرية آدم أو أسماء الملائكة أو اللغات كلها. وكل هذه التفاسير ليست مقنعة تماما.
يتبين عند التدقيق أن كلمة “الأسماء” كما هي، وبال التعريف، وردت في القرآن في أربع آيات أُخرى هي: (180:7) و (110:17) و (8:20) و (24:59)، وجميعها في صيغة “الأسماء الحسنى”. فالآية تشير، وفق تفسير ابن عربي، إلى أن الله عَلَّم آدم كل الأسماء الحسنى.
وبصورة أعم، يُفهم من هذه العبارة، وبما أنها تشمل أسماء كل الأشياء في كل زمان ومكان، أن الله أعطى آدم القدرة على إدراك خصائص الأشياء وتسميتها لغوياً لتمييز بعضها عن بعض وتسهيل الإشارة إليها في التواصل بين البشر. ويتطلب هذا براعة لغوية وقدرة ذهنية تشمل التفكير المُجَرَّد (abstract thinking) والإدراك المعرفي (cognition)، وهاتان ميزتان عظيمتان حَظِيَ بهما الإنسان الحديث والذي هو من نوع الإنسان العاقل (Homo sapiens) دون أكثر من سبعمئة نوع حيواني عاش في كوكب الأرض منذ نشوئه. وأُشير أيضا إلى هاتين الميزتين في قوله تعالى: (3:55) خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ (4:55) عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ. والبيان، أي التعبير، يتطلب أوَلاً وجود ما يراد التعبير عنه من أفكار وخواطر، وثانياً القدرة اللغوية على الإفصاح عنها.
5- طاعة الرسول وأولي الأمر
(59:4) يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا.
تتناول هذه الآية أمر الطاعة الواجبة على المؤمن. وبما أن طاعة المؤمن لله مُسَلَّم بها ولا تحتاج إلى أي شرح، ستقتصر الملاحظة على إطاعة الرسول وأولي الأمر.
أولاً: إطاعة الرسول
وردت عبارة “وأطيعوا الرسول” في ست آيات ولم ترد أبدا عبارة “وأطيعوا النبي”، أو “أطيعوا محمداً”، علماً بأن سيدنا محمداً كان نبياً أيضا، كما ورد في آيات كريمة عديدة منها على سبيل المثال: (158:7) …فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ و (40:33) مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ ۗوَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا. فما الفرق بين الرسول والنبي؟
ما من إجماع كامل على الفرق بين النبي والرسول. إنما هناك إجماع على أن النبي هو من يُنَبَّأُ، أي يُخْبَر، بأمور مُعَيَّنة بوحي من الله سواء أُمر بتبليغ ما أوحي إليه أم لم يؤمَر، فإن لم يُؤمَر بالتبليغ فهو نبي وليس رسولاً، وإن أُمر بالتبليغ فهو نبي ورسول. فالنبي أعَمّ والرسول أَخَصّ، ما يعني أن كل رسولٍ نبيٌّ وليس كل نبيٍّ رسولاً. والنبي، أو الرسول النبي، قد يُنْبِئ أيضا بحقائق كونية أو تاريخية.
أما أوجه الاختلاف بين العلماء، فيقول البعض أن الرسول يُوحى إليه بشريعة جديدة من العقائد والأحكام ويُؤمَر بتبليغها لأُمة من المُكَذّبين والمُخالفين. وأما النبي فقد يوحى إليه بشريعة سابقة، ويعمل بها في حياته وقد يُبلِغها لمؤمنين من حوله.
تَصِف الآية الكريمة (40:33)، السابقة الذكر، سيدنا محمداً بأنه خَاتَمَ النبيين ولم يصفه القرآن الكريم أبداً بأنه “خَاتَمَ الرُسُل”، لأن ختم الرسالة لا يستلزم ختم النبوة، بينما ختم النبوة يستلزم ختم الرسالة.
الأمر بطاعة الرسول إذن هي بما أُوحي إليه من ربه وأُمر بتبليغه، وكما بَلَّغ به هو جِهاراً أمام الملأ.
ثانياً: إطاعة أُولي الأمر
المقصود بأٌولي الأمر أصحاب السلطة والتنفيذ على كافة المستويات. وقد فَسَّر “فقهاء السلاطين” على مَرّ العصور “طاعة أُولي الأمر” بأنها أَمر للمؤمنين بطاعة الحاكم طاعةً شبهَ عمياء. ومن المُسَلَّم به شرعاً أن لا طاعة لمن يدعو للإلحاد أو الشِّرك بالله، والشِّرك قد يكون في “الشخصنة” والطاعة العمياء. فما الحكم بالطاعة في أمور أُخرى؟
يجب الانتباه إلى أن الآية الكريمة تخاطب المؤمنين وتأمرهم بطاعة “أُولي الأمر منكم” وليس “أُولي الأمر عليكم”، مما يستلزم أن يكون ولي الأمر الواجب طاعته من المؤمنين حقاً وألا يكون قد وصل إلى السلطة بطريقة غير مشروعة أو غير متعارف عليها،
كالفرض والإكراه مثلاً.
6- ما ملكت أيمانكم
وردت في القرآن عبارة “ما ملكت أَيمانكم”، بفتح الهمزة على الأَلِف، ست مرات في الآيات (3:4)، (24:4)، (25:4)، (36:4)، (33:24)، (28:30)، ووردت عبارة “الذين ملكت أَيمانكم” مرة واحدة في الآية (58:24)، ووردت عبارة “ما ملكت أَيمانهم” أربع مرات في الآيات (71:16)، (6:23)، (50:33)، (30:70)، ووردت عبارة “ما ملكت أَيمانهن” مرتين في الآيتين: (31:24)، (55:33). ووردت عبارة “ما ملكت يمينك“ مرتين في الآيتين: (50:33)، (52:33). وقد فُهمت هذه العبارات بأنها تشير حصراً إلى الإماء، أي إناث العبيد، واللواتي أُبيح الجنس معهن دون أي قيود. وهذا خطأ شائع.
فإناث العبيد قد أُشير إليهن في القرآن، دون أي التباس، بكلمة “إماء”. فوردت كلمة “أمَة” بصيغة المفرد في الآية (221:2) … وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ…. ووردت كلمة “إماء” بصيغة الجمع في الآية (32:24) وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَـٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ…، والتي تشير إلى زواج الذكور والإناث من العبيد.
ووردت كلمة “فتيات” مرتين:
1- الآية (25:4) وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ….
2- الآية (33:24) …وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا…وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى
ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا…،
وقد فُسِّرت “فتيات” بأنها تعني إماء، إلا أنها قد تعني النساء الشابات عموماً. ويلاحظ أن “الفتيات” و “ما ملكت أيمانكم” وردتا معاً في كلٍ من هاتين الآيتين، ما يعني فارقاً في المعنى. كما أن القرآن يشير إلى الأنثى من الأولاد بكلمة “بنات” كما في الآية (23:4) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ….
لِفَهم المقصود بعبارة ” ما ملكت أيمانكم” لا بد بداية من فهم معاني الكلمات. فمن معاني “مَلَكَ” أن يكون لفرد سلطة على كائن ما ويكون في وضع التحكم في أحوال هذا الكائن وأموره. وكلمة “يمين” لها أكثر من معنى. فهي قد تعني اليد اليمنى أو الجهة اليمنى، والتي تشير إلى البِرِّ والتقوى، كما في “أصحاب اليمين”، الذين هم من أهل الجنة. وكلمة “يمين” قد تعني القَسَم أو العهد الذي يأخذه الفرد على نفسه مع طرف آخر. وردت “أيمان” في القرآن بمعنى اليد اليمنى أو الجهة اليمنى فقط في الآية (12:57)، بينما وردت بمعني القَسَم أو العهد عشر مرات في سبع آيات ((224:2)، (225:2)، (33:4)، (89:5)، (92:16)، (94:16)، (2:66))، كما في الآية (89:5) لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ ۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ ۚكَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
فيكون المعنى العام لعبارة “ما ملكت أيمانكم” هو عدة فئات ممن كان في عُهْدة المسلمين، أي في رعايتهم أو تحت مسؤوليتهم، ذكوراً كانوا أو إناثا. وقد تشمل هذه العبارة الفئات التالية:
1- أسرى حرب. لم تَرِد كلمة “سبي” أو “سبايا” أبداً في القرآن. واقتصر أخذ الأسرى على الذين يشاركون بالحرب ضد
المسلمين، كما في الآية (4:47) فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا…. فيكون الموقف منهم إما إخلاء السبيل أو أخذ الفدية أو المبادلة بأسرى المسلمين. وحتى يتم ذلك قد يكون الأسير في عهدة المسلمين، فيكون من “ما ملكت أيمانكم”. والأسرى قد يشمل نساء يشاركن في الحرب، ليس بالقتال بل بشتى أشكال الدعم للمقاتلين. والجدير بالملاحظة أن بعض الأسرى هم في أيدي المسلمين وليسوا من “ما ملكت أيمانكم”، كما في الآية (70:8) يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ….
2- مهاجرات. ورد في الآية (10:60) يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ ۖ
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُوا۟ ۚ وَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ…. هؤلاء المهاجرات هن أيضاً في عهدة المسلمين، ومن “ما ملكت أيمانكم”.
3- لهن عهد شفوي بالزواج. شاع في عصور الإسلام الأولى أن يعطي الرجل المسلم عهداً شفوياً بالزواج مستقبلاً، فتكون
من لديها مثل هذا العهد من “ما ملكت أيمانكم”.
٤- إماء. كان لبعض من اعتنقوا الإسلام في زمن النبي إماء، منهن من قد يكن اعتنقن الإسلام أيضاً. وقد يعتق المسلم أمَة قد
تختار أن تبقى في عهدته إما وفاء أو لأن لا عائل لها، فتكون أمَة كهذه، قبل العتق أو بعده، من “ما ملكت أيمانكم”.
5- زوجات شرعيات. يقول الإمام فخر الدين الرازي، صاحب “التفسير الكبير”، المعروف بـ “مفاتيح الغيب”، في تفسير
الآية (24:4) “ملك اليمين حاصل في النِكاح وفي المُلك”، أي في الزوجة أو الأمَة. وتجدر الإشارة إلى أن القرآن يستخدم كلمة “زوجة” في وجود التوافق والانسجام بين الزوجين، وكلمة امرأة في غياب هذا التوافق، كما في الإشارة إلى “امرأة نوح” و”امرأة لوط”. وقد خص البعض الزوجات الشرعيات من “ما ملكت أيمانكم” بالزوجات من أهل الكتاب.
تُدَقِّق الفقرات التالية في المعنى الخاص بملك اليمين في الآيات التي وردت فيها.
1- (5:23)، (29:70) وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ (6:23)، (30:70) إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ
غَيْرُ مَلُومِينَ. تكررت هاتين الآيتين مرتين لأهميتهما. زعم الكثيرون أن “ما ملكت أيمانهم” تعني الإماء وأن العلاقة الجنسية تكون قد أبيحت معهن خارج إطار الزواج. وهذا فهم خاطئ، لأنه يتعارض مع آيات أخرى تحرم العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج، كما في الآية (33:24) وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ… وكما سياتي ذكره في الفقرة التالية.
2- (25:4) وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۚ وَٱللَّهُ
أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُمۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَـٰتٍ غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ وَلَا
مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ
مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. إذا كانت “ٱلْمُحْصَنَـٰتِ” تشير إلى النساء الحرائر و”فَتَيَـٰتِكُمُ“ تشير إلى الإماء، فإن هذه الآية تبيح الزواج من “ما ملكت أيمانكم” من الإماء المسلمات للذين لا تمكنهم ظروفهم المادية أو الاجتماعية من الزواج من المحصنات. وبما أن الآية تشترط “بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ” فهذا يعني أن المقصود هي أمة لغير طالب الزواج، فتكون أمة قد أُعتقت إذ لا يعقل أن تصبح زوجة لرجل وهي أمة لغيره، فتكون من الفئة (4) من “ما ملكت أيمانكم” كما سبق ذكره. وقد تكون أيضاً أسيرة حرب، أي من الفئة (1) من “ما ملكت أيمانكم” كما سبق ذكره.
ويجب الانتباه إلى أن هذه الآية تشير بكل وضوح إلى أن العلاقة الجنسية المسموحة مع “ما ملكت أيمانكم” هي الزواج وبنفس شروط الزواج من العفيفات الحرائر، أي المحصنات في الآية: (5:5) ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ
أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن
قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍ….
وتجدر الملاحظة أيضاً أن عقوبة الفاحشة لهذه الفئة هي نصف عقوبة الحرائر، أي خمسون جلدة. وقد يعود ذلك لمستواهن الاجتماعي الأدنى من الحرائر، أو لأنهن كُنَّ أكثر عرضة للفاحشة من الحرائر، أو رأفة بهن لمعاناتهن في الماضي.
3- (24:4) وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ…. تكمل هذه الآية ما حرمته في الزواج الآية (23:4) التي سبقتها
فتحرم الزواج من المحصنات، والمقصود بالمحصنات في هذا السياق المتزوجات، باستثناء “ما ملكت أيمانكم”، أي المتزوجات من الكفار، كأسيرات حرب أو مهاجرات، إذ يجوز إرجاعهن، كما نصت الآية (10:60) السابقة الذكر.
4- (3:4) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖفَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً
فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ….تؤكد هذه الآية على الزواج من “ما ملكت أيمانكم”، سواء كُنَّ من فئة الإماء أو أسيرات حرب أو من فئات أخرى سبق ذكرها، ولا تبيح أي علاقة جنسية أخرى مع “ما ملكت أيمانكم”. وتجدر الملاحظة أن العدل المشار إليه في هذه الآية يشمل الزوجات واليتامى.
5- (33:24) وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ
فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا۟ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا… يذهب كثير من المفسرين إلى أن المقصود بالكتاب هو عقد مكتوب يشتري به العبد حريته. إلا أن السياق هو الزواج، ما يعني أن “ما ملكت أيمانكم” هن من كان لهن عهد شفوي بالزواج ويردن أن يكون هذا العهد مكتوباً.
6- (36:4) وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ
وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ….تَخَصُّ هذه الآية بالذكر كل فئات “ما ملكت
أيمانكم” كإحدى الجهات التي تستوجب المعاملة بالرأفة والإحسان.
7- (24:31) …وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ
إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُو۟لِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا۟ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ…. تُدرِج هذه الآية “ما ملكت أيمانهن” مع اللذين يُسمح للنساء بإبداء زينتهن لهم.
8- (33:55) لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِىٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبْنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخْوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبْنَآءِ إِخْوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبْنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ
أَيْمَـٰنُهُنَّ…. تُدرِج هذه الآية “ما ملكت أيمانهن” مع اللذين يُسمح لهم بمخاطبة نساء النبي من غير وراء حجاب، كما نصت الآية (33:55).
9- (24:58) يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ
ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ…. تُدرِج هذه الآية “الذين ملكت أيمانكم” مع اللذين يجب أن يتقيدوا بآداب الحفاظ على الخصوصيات الشخصية والعائلية.
10- (16:71) وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ
سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ. يُستدل من هذه الآية في سياقها على وجوب مشاركة الرزق من قِبَل أُولي الأمر مع “ما ملكت أيمانهم” ليكونوا سواء.
11- (28:30) ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖهَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ
تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ…. . يُستدل من هذه الآية في سياقها، كما في الآية (16:71) في الفقرة السابقة، على على وجوب مشاركة الرزق من قِبَل أُولي الأمر مع “ما ملكت أيمانهم”.
12- (33:52) لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّإِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ…. الآية
تحرم على النبي، بعد أن نزلت في السنة السابعة للهجرة، كل النساء باستثناء “ما ملكت يمينك”. فإذا كانت هذه العبارة تعني الإماء حصراً، تكون زوجات النبي الشرعيات قد حُرِّمن عليه. فهل يعقل هذا؟ المفسرون الذين لا يتجاهلون ما تنص عليه هذه الآية بصريح العبارة يقولون إن المقصود بعبارة “ما ملكت يمينك” هن زوجات النبي الشرعيات وليس أي إماء.
13- (33:50) يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّـٰتِىٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ
وَبَنَاتِ عَمَّـٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَـٰلَـٰتِكَ ٱلَّـٰتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىٓ أَزْوَٰجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ…. ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك” هو إشارة إلى أسيرتي الحرب اللتين تزوجهما النبي، صفية بنت حيي وجويرة بنت الحارث. وذُكرت “ما ملكت أيمانهم” في آخر الآية في معرض التأكيد على ما فرضه الله على بقية المؤمنين في هذه الأمور.
