وردت كلمة “أُقْسِمُ” في القرآن الكريم ثماني مرات تسبقها دائماً “لا” أو “فلا” أو “ولا”. “لا” في هذا السياق ليست لنفي القَسَم من قبل الله عز وجل بل للتأكيد على أن الله يُقْسِم للدلالة على أهمية وعظمة ما يُقْسِم به، من ظواهر طبيعية وغيرها، مما يرفع مكانة موضوع القَسَم ويؤكد على قدرة الله وفضله.
لغوياً، قيل إن “لا” هذه زائدة، كما وردت في بعض شعر العرب وكما في الآية (12:7) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ، مقارنة بالآية (75:38) قَالَ يَـٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ…، فلا يعقل أن يقسم الله في آية وينفي القسم في آية أخرى. وكذلك “لا” زائدة في الآية (29:57) لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ…. وقيل أيضاً أن “لا” تنفي ما يقوله الكفار والمنفي محذوف.
وردت كلمة “أُقْسِمُ” في القرآن الكريم بالترتيب التالي:
1. (75:56) فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ (76:56) وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إذ لا يمكن تحديد موقع نجم ما بدقة بمشاهدته من الأرض لثلاثة أسباب. الأول هو سرعة الضوء المحدودة، فعندما يصل نور النجم إلى الأرض يكون النور قد تحرك وغادر مكانه الأصلي. والسبب الثاني هو أن الضوء الآتي من النجم، إذ يمر بالقرب من مجرة ما، ينحني مساره بفعل جاذبية المجرة وفق نظرية اينشتاين العامة للجاذبية. والسبب الثالث هو انكسار الضوء عندما يدخل الغلاف الجوي للأرض من فضاء أقل كثافة. فالقسم بمواقع النجوم هو حقاً عظيم لما يشير إليه من ظواهر طبيعية تتجلى فيها قدرة الخالق وعظمته.
2. (38:69) فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (39:69) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ. تشير الآية الأولى إلى عملية إبصار ما حولنا ونواحيها المتعددة. فالشيء يُبصر بالضوء الذي يعكسه في العينين وما يولده في الخلايا المُستقبِلات في الشبكية من إشارات كهربائية تُعالج أولياً في الشبكية ذاتها ثم ترسل إلى القسم البصري من القشرة الدماغية حيث تعالج بعمليات معقدة للتعرف على خصائص ما يُبْصَر كالألوان والأبعاد الثلاثية. ثم تتوسع المعالجة إلى أقسام أخرى من القشرة الدماغية لإدراك (perception) طبيعة ما يُبْصَر ووضعه في إطار الوجود الحقيقي(reality) للفرد البشري. وهذه عملية بالغة التعقيد يعجز العلم الحديث عن الإحاطة بها. أما الآية الثانية فتشير إلى ما لا يبصره البشر لأن عيونهم تتأثر فقط بجزء بالغ الصغر من الطيف الكهرومغناطيسي (electromagnetic spectrum)، ناهيك عن إبصار ما في هذا الكون الذي يعجز العقل البشري عن إدراك اتساعه أو ما يكون وراءه من أكوان أخرى.
3. (40:70) فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ…. تفسير المشارق والمغارب له عدة أوجه ترتكز على دوران الأرض حول محورها وحول الشمس وعلى حركة النجوم. فبالنسبة للشمس، وفي أي يوم محدد، تشرق الشمس وتغرب على مكان مختلف من الأرض طوال اليوم بسبب دوران الأرض حول محورها. وبالنسبة لأي موقع محدد على الأرض، تشرق الشمس وتغرب في موقع مختلف من الأفق بسبب دوران الأرض حول الشمس. وما ينطبق على الشمس ينطبق على القمر وعلى سائر النجوم التي يصل ضوؤها إلى الأرض. وبذلك يكون عدد المشارق والمغارب لا حصر له، ويشهد على عظمة الخالق وقدرته وإبداعه.
4. (1:75) لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ. يستفيض القرآن في وصف أهوال يوم القيامة وما يرافقهامن ظواهر طبيعية خارقة، وكما خصها بسورة كاملة رقمها 75. في هذا اليوم يبعث الله الموتى في معجزة تفوق كل المعجزات ليحاسبهم وينالوا جزاء ما عملوه في هذه الحياة الدنيا.
5. (2:75) وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ. النفس الإنسانية هي من آيات الله العظمى، إذ هي جوهر الكيان الإنساني لما جعل الله فيها من وعي (consciousness) عميق الغور وقدرة ذهنية فائقة، فأقسم الله بها في قوله في الآية (7:91) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا، و خَصَّ بها جنساً بشريا واحداً فقط، من بين أكثر من سبعمئة مليون جنس حيواني استوطنوا الكرة الأرضية منذ نشوئها، هو جنس الإنسان الحديث المعروف بالإنسان الحكيم أو الإنسان المفكر (homo sapiens). وقد ألهم الله هذه النفس الهداية والضلال، كما في ألآية (8:91) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا، ومنحها حرية الاختيار كما في الآية (29:18) وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖفَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ…. والنفس أمارة بالسوء (الآية (53:12) …إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ…). تكون صحوة الإنسان عندما تلومه نفسه على ارتكاب الإثم والمعاصي فيندم على أفعاله، وهذا من عجائب النفس الإنسانية، فيعود إلى ربه يستغفره ويتوب إليه ويسعى إلى ْ نيل رضائه ورحمته.
6. (15:81) فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ (16:81) ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ. تشير الآيتان إلى ثلاث خصائص هامة للثقوب السوداء (black holes) فهي “خُنَّس”، أي أصبحت مخفية، وهو وصف دقيق لنجم ضخم كان مشعاً يمكن رؤيته ثم تهاوى وانكمش في المرحلة الأخيرة من حياته فأصبحت له قوة جاذبية هائلة تمنع انعكاس أي شيء منه فلا يمكن رصده. “الجوار” تشير إلى سرعة تحرك هذه الأجسام. “الكُنَّس” تشير إلى عمل هذه الأجسام كمكنسة فضائية إذ هي تزيل ما في جوراها من حطام فضائي بفعل جاذبيتها. والثقوب السوداء هي من الظواهر الفضائية الخارقة التي تشهد بقدرة الخالق وعظمته.
7. (16:84) فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ. “الشفق” (twilight) هو الإنارة فِي الأَفَق بعد غروب الشمس وحتي العشاء، وينتج عن تَشَتُّت (scattering) الضوء في طبقات الغلاف الجوي العليا وعن امتصاصه في طبقة الأوزون. فعندما لا يتعدى هبوط الشمس ست درجات تحت الأفق يغلب تشتت ترددات الألوان الزرقاوية في الضوء، وهي ذات الترددات العالية، فتخف رؤيتها وتغلب الألوان الحمراوية ذات الترددات الأقل فيتراوح لون الشفق ما بين الأحمر والبرتقالي والأصفر. وعندما يكون هبوط الشمس ما بين ست درجات واثنتي عشرة درجة تحت الأفق تبدأ طبقة الأوزون بامتصاص الألوان الحمراوية فيتبدل لون الشفق إلى الأرجواني فالأزرق. وعندما يكون هبوط الشمس ما بين اثنتي عشرة وثماني عشرة درجة يتحول لون الأفق من الأزرق الغامق إلى السواد عندما يغيب نور الشمس تماماً. ولا شك أن في روعة ألوان الشفق وتبدلها دليل ساطع على إبداع الخالق وإتقانه في تسيير أمور الكون.
8. (1:90) لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ (1:911) وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ. “لا” زائدة فيكون المعنى “أُقسم بهذا البلد”، والذي هو مكة المكرمة، بدليل أن الله أقسم بمكة في الآية (3:95). ومكة لها مكانة عظيمة إذ فيها بيت الله الحرام الذي يؤمه الحجاج والذي ولد فيها رسول الله محمد وبدأ فيها رسالته ثم عاد إليها فاتحاً، وتعلوا مكانتها عندما يحل الرسول الكريم بها.
إلا أن لآيات القَسَم وجهاً آخر من الإعجاز هو الإعجاز الهددي. فإذا صٌفَّت أرقام الآيات على التوالي، بدءا برقم أول آية في أقصى اليمينً، ينتج رقم ذو ثلاث عشرة خانة وهو من مضاعفات العدد 7 ويتألف من عدد من العوامل الحسابية
الأخرى:
1,161,521,403,875 = 7×125×37×137×113,177
يلاحظ أن مجموع الأرقام التي يتألف منها العامل 125 هو 8، كعدد الآيات، كما أن العدد 7 هو في الخانة الأولى من العاملين 37 و 137 وفي ا.لخانتين الأولى والثانية من العامل 113,177.
وإذا صُفَّت أرقام زوجين من الآيات مأخوذتين، على التوالي، من طرفي مجموعة الآيات الثمانية، أي الأزواج (1-8)، (7-2)، (6-3)، (5-4)، وبالترتيب المذكور لكل ز وج، تنتج الأعداد 175، 1638، 1540، 21، على التوالي، وجميعها من مضاعفات العدد 7:
175 = 7×25
1638 = 7×234
1540 = 7×220
21 = 7×3
فإذا اعتبرت نواتج القسمة على 7 الثلاثة الأخيرة، أي الأعداد 234 و 220 و 3 وصٌفَّ كل زوجين منها، بترتيب العدد الأكبر إلى اليمين، تنتج الأعداد 220234، 3234، و 3220، وجميعها من مضاعفات ىالعدد 7:
220234 = 7×31462
3234 = 7×462
220 = 7×460
فسبحان الله!
Reference: https://alba7th.yoo7.com/t303-topic
